سيد قطب

3642

في ظلال القرآن

الجليل . وهو متاع لا يعرفه إلا من ذاق حلاوته حين يكتبها اللّه له ! على أن قوى الكون الهائلة تلجئ الإنسان إلجاء إلى موقف العجز والتسليم سواء رزق هذه الحلاوة أم حرمها . فهو يكشف ما يكشف ، ويبدع ما يبدع ، ويبلغ من القوة ما يبلغ . ثم يواجه قوى الكون في انكسار الحسير الصغير الهزيل . وقد يستطيع أن يتقي العاصفة أحيانا ولكن العاصفة تمضي في طريقها لا يملك وقفها . ولا يملك أن يقف في طريقها ، وقصارى ما يبلغ إليه جهده وعلمه أن يحتمي من العاصفة وينزوي عنها ! . . أحيانا . . وأحيانا تقتله وتسحقه من وراء جدرانه وبنيانه . وفي البحر تتناوحه الأمواج والأعاصير فإذا أكبر سفائنه كلعبة الصبي في مهب الرياح . أما الزلزال والبركان فهما هما من أول الزمان إلى آخر الزمان ! فليس إلا العمى هو الذي يهيّئ لبعض المناكيد أن « الإنسان يقوم وحده » في هذا الوجود ، أو أنه سيد هذا الوجود ! إن الإنسان مستخلف في هذه الأرض بإذن اللّه . موهوب من القوة والقدرة والعلم ما يشاء اللّه . واللّه كالئه وحاميه . واللّه رازقه ومعطيه . ولو تخلت عنه يد اللّه لحظة لسحقته أقل القوى المسخرة له ، ولأكله الذباب وما هو أصغر من الذباب . ولكنه بإذن اللّه ورعايته مكلوء . ومحفوظ . وكريم . فليعرف من أين يستمد هذا التكريم ، وذلك الفضل العظيم . بعدئذ ينتقل بهم من لمسة التهديد والنذير ، إلى لمسة التأمل والتفكير . في مشهد يرونه كثيرا ، ولا يتدبرونه إلا قليلا . وهو مظهر من مظاهر القدرة ، وأثر من آثار التدبير الإلهي اللطيف . « أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ؟ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ ، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ » . . وهذه الخارقة التي تقع في كل لحظة ، تنسينا بوقوعها المتكرر ، ما تشي به من القدرة والعظمة . ولكن تأمل هذا الطير ، وهو يصف جناحيه ويفردهما ، ثم يقبضهما ويضمهما ، وهو في الحالين : حالة الصف الغالبة ، وحالة القبض العارضة يظل في الهواء ، يسبح فيه سباحة في يسر وسهولة ؛ ويأتي بحركات يخيل إلى الناظر أحيانا أنها حركات استعراضية لجمال التحليق والانقضاض والارتفاع ! تأمل هذا المشهد ، ومتابعة كل نوع من الطير في حركاته الخاصة بنوعه ، لا يمله النظر ، ولا يمله القلب . وهو متعة فوق ما هو مثار تفكير وتدبر في صنع اللّه البديع ، الذي يتعانق فيه الكمال والجمال ! والقرآن يشير بالنظر إلى هذا المشهد المثير : « أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ؟ » . . ثم يوحي بما وراءه من التدبير والتقدير : « ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ » . . والرحمن يمسكهن بنواميس الوجود المتناسقة ذلك التناسق العجيب ، الملحوظ فيه كل صغيرة وكبيرة ، المحسوب فيه حساب الخلية والذرة . . النواميس التي تكفل توافر آلاف الموافقات في الأرض والجو وخلقة الطير ، لتتم هذه الخارقة وتتكرر ، وتظل تتكرر بانتظام . والرحمن يمسكهن بقدرته القادرة التي لا تكل ، وعنايته الحاضرة التي لا تغيب . وهي التي تحفظ هذه النواميس أبدا في عمل وفي تناسق وفي انتظام . فلا تفتر ولا تختل ولا تضطرب غمضة عين إلى ما شاء اللّه : « ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ » . . بهذا التعبير المباشر الذي يشي بيد الرحمن تمسك بكل طائر وبكل جناح ، والطائر صاف جناحيه